الحكيم الترمذي
122
كيفية السلوك إلى رب العالمين
رعايتها ؟ قال : إن العلم نور به يهتدى إلى اللّه - تعالى - في منازل القربة في دار السلام حتى يبلغ درجات الوسائل ، فهو في القلب ، وتدبيره في الصدر ، وانصدار عمله من الصدر إلى الجوارح . والنفس ذات شهوة وهي جاهلة لاشتغالها بلذاتها وعماها بظلمة دخانها ، فذهب هذا الذي حبي وأكرم بهذا النور ، فتعزز به وافتخر وتكبّر على عباد اللّه - تعالى - ورائى ، وطلب به الجاه عند خلقه حتى خرج إلى أن اكتسب به أحوال النفس من العزّ والثناء والمدحة والاستقصاء في طلب الرئاسة حتى يحسد ويبغي ويحقد ويعادي ويلهو ويماري ويكاثر ويباهي ويفاخر ويحرص على الجمع من غير وجهه حتى يؤديه إلى منع الخوف والتبذير والإنفاق من غير وجهه ، ويلهيه عن مواعظ اللّه - سبحانه - والوعد والوعيد والموت الذي يعاينه في نظرائه ، وشأن البلى في البرزخ والحشر والحساب ، وأهوال يوم القيامة ، والعرض على اللّه - تعالى - وتضييع العبودية ، وحل الوثاق ، ونقض الميثاق بموت قلبه ، وتهمل جوارحه عن جميع الورع ، ولحياته مع هذا كله العلم . فإن حياته بقيت حتى لم يأتها ، وكيف يطمع هذا في لباب العلم ؟ ! وقد علم اللّه - تعالى - : أنه لمّا نال قشر الجوز اكتفى به عن اللباب . فهل القشر إلا للنار ؟ ! وإن له عبادا لمّا نالوا اللباب بعد تقويمهم أنفسهم ولزومهم الاستقامة التفتوا إلى أنفسهم فرأوها ، رأوا أنهم لما اكتفوا به عن القيام بحقها صرخوا إلى اللّه - تعالى - كصراخ أهل الكبائر ، ورأوا أنهم في نفاق لما قد فقدوا الوفاق من إهمالهم بعلومهم ، فإن العلم صاف ، والنفس كدرة ، والعمل مخرجه من النفس ، وممره من الصدر عليها . فمن هاهنا قال علقمة حين قيل له : أتؤمن ؟ قال : أرجو . وقال الحسن البصري : الإيمان قول وعمل . وقال : ليس الإيمان بالتحلي والتمني ؛ ولكن الإيمان ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال . فالحكمة إنما ينالها من راض نفسه رياضة أقامها على جميع حقوقه وأوامره حتى يخلي صدره من الشهوات ، وصار كمفازة لا أنيس فيها ، وصار قلبه أجردا